07/01/2026
دعم ولا عزل؟
العراق في طريق تكرار تجربة فشل صناعة السيارات الإيرانية وخطر «التحول إلى كوريا الشمالية الاقتصادية»
المقدمة
"دعم الإنتاج المحلي" من أكثر المفاهيم استخداماً وفي نفس الوقت خطورة في السياسات الاقتصادية. إذا نُفذ بشكل صحيح، يمكن أن يكون محركاً للتنمية، وإذا نُفذ بشكل خاطئ، يتحول إلى أداة لتبرير الفشل، حذف المنافسة، والانغلاق الاقتصادي. ما نراه اليوم في السياسات التجارية للعراق، خصوصاً في قطاع المواد الغذائية والمنتجات الزراعية، يثير القلق ويشبه تجربة صناعة السيارات في إيران.
هذه المقالة تحاول أن توضّح أن الطريق الحالي للعراق، إذا لم يُصلح، قد يقرب البلاد أكثر إلى نموذج اقتصادي مغلق وفاشل بدلاً من أن يكون طريقاً للتنمية.
١) فلسفة دعم الإنتاج المحلي الحقيقي
في الاقتصاد الكلاسيكي والحديث، دعم الإنتاج المحلي ليس هدفاً، بل أداة. هذا الدعم عادة ما يكون مرتبطاً بثلاث شروط رئيسية:
١. **المؤقت**: الدعم يجب أن يكون محدود المدة، وليس دائماً أو بلا نهاية.
٢. **تحفيز المنافسة**: الهدف من الدعم هو تمكين المنتج من المنافسة مع المنافسين الأجانب، وليس القضاء عليهم بشكل دائم.
٣. **المحاسبة والتقييم**: إذا لم يحسّن المنتج الجودة أو السعر خلال فترة الدعم، يجب إيقاف الدعم.
دول مثل كوريا الجنوبية، اليابان، والصين استخدمت هذا النموذج: دعم قوي لكن مشروط، محدود، وقابل للتقييم.
٢) الوضع الحالي في العراق: دعم بدون خطة واضحة
في الأشهر الأخيرة، منعت الحكومة العراقية أو قيّدت استيراد عشرات المنتجات الغذائية والزراعية بحجة وفرة الإنتاج المحلي. المشكلة ليست في فكرة الدعم، بل في طريقة تنفيذها:
- قرارات مفاجئة
- إعلام ضعيف للتجار والسوق
- عدم وضوح فترة انتهاء الحظر
- عدم وجود معايير واضحة لنجاح المنتج المحلي
في هذه الحالة، يتحول الدعم من أداة اقتصادية إلى أداة إدارية وسياسية، ويضر بالسوق والمستهلك أكثر من المنتج.
٣) تجربة إيران: عندما يتحول الدعم إلى حماية دائمة
صناعة السيارات في إيران مثال واضح. السوق كانت شبه مغلقة، الاستيراد محدود، والدعم طويل الأمد بدون شروط واضحة. لم تكن هناك إجابات على أسئلة مهمة:
- إلى متى يستمر الدعم؟
- ما هو معيار النجاح؟
- ماذا لو لم تحسن الجودة أو السلامة؟
النتيجة كانت:
- سيارات باهظة الثمن
- جودة منخفضة
- سلامة مشكوك فيها
- المستهلك بلا خيار
ولهذا أطلقت عليها وسائل الإعلام لقب "عربات الموت". وهذا هو نتيجة الدعم بدون منافسة حقيقية.
٤) التشابه الخطير بين العراق وإيران
السياسات الحالية في العراق تشبه إلى حد كبير تجربة إيران في عدة جوانب:
- إزالة المنافسة الأجنبية
- تحميل تكاليف الدعم للمستهلك
- قرارات فجائية تسبب عدم استقرار السوق
٥) خطر «كوريا الشمالية»: تحذير اقتصادي
مصطلح "كوريا الشمالية" هنا لا يشير للجانب السياسي، بل إلى **نموذج اقتصادي مغلق**:
- سوق بلا منافسة
- المستهلك بلا حرية اختيار
- قرارات غير شفافة
- المنتج غير مضطر لتحسين الجودة
هذا المسار لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يتشكل خطوة خطوة من قرارات خاطئة وصغيرة.
٦) الحل: دعم ذكي ومخطط
إذا أراد العراق تحقيق تنمية حقيقية، الحل واضح:
- استخدام الرسوم الجمركية بدلاً من الحظر الكلي
- تحديد فترة واضحة لكل قيود أو حظر
- فرض شروط على المنتج المحلي (جودة، سعر)
- السماح بمنافسة محدودة وموضوعة بعناية
- التشاور المستمر مع القطاع الخاص
الخاتمة
الدعم من دون الوصول لمنافسة حقيقية يتحول إلى تثبيت الفشل. تجربة إيران في صناعة السيارات دليل واضح، والعراق اليوم أمام خيار: التعلم من التجربة أو تكرار الأخطاء نفسها.
الدعم بدون منافسة ليس تنمية…
إنه **انعزال باسم جميل**.